مصطفى لبيب عبد الغني
20
دور الزهراوي في تأسيس علم الجراحة
هذا الموقف الثابت من الخبرة السابقة أثر من آثار الوعي بالطبيعة الاحتمالية للمعرفة العلمية بالطبيعة وهي معرفة لا تبلغ أبدا مرتبة اليقين الحاسم ، ومن إدراك العلاقة بين التقدم العلمي وبين تطوير آلات العمل التي تحقق مزيدا من التكيّف ومن السيطرة . وكان من ثمار ذلك ما ابتكره الزهراوى من آلات جراحية وما طوّره من أساليب تخصّه دفعت بمهنة الجراحة إلى الأمام على طريق صاعد . * * * وإذا كان تمثل المعرفة السابقة يمثل شرطا ضروريا إلا أنه ليس كافيا ، كما أن من الشروط اللازمة لتحقيق استقلال علم ما من العلوم الطبيعية هو النجاح الفعلي والمتصل في اكتساب ذخيرة كافية من أوصاف الحالات الجزئية والوقائع الخاصة والأمثلة المفردة ثم تنسيق هذه المادة المنوّعة بعد ذلك في إطار من التعميم الكلى الذي يتجاوز الارتباط بالمثال الواحد والحالة المفردة وبحيث يسمح فيما بعد بقياس الغائب على الشاهد والكثير على القليل ، وتكون الخبرة بهذه الحالات الواقعية بعينها هي نقطة البدء التي تتقدّم أىّ صياغة نظرية تكشف عن مستوى المعرفة . ولا بد أيضا من المثابرة على مراقبة الحالات « بطول الخدمة والعناية بالصناعة والوقوف على حقائق الأمر » ، كما يقول الزهراوى . « 1 » فهذا هو الذي يؤدى إلى « التحقق » التجريبى على حين يؤدى عدم التدقيق وعدم توخى الحذر « إلى الغرر ولا سيما لمن جهل ما يصنع ولم يكن دربا مجرّبا » « 2 » وبحيث يكون « ترك العمل أولى » « 3 » بالنسبة له . إن مقياس النجاح في الطب مقياس عملي هو حصول الشفاء أو تحقيق البّرء - بتعبير الزهراوى وبحيث تصبح حالة المريض في عافيته غيرها في مرضه . غير أن الثراء اللامحدود للواقع يجعل من اللازم الاقتصار على مراقبة عدد محدود من الوقائع إلى حد يتحقق معه الاطمئنان إلى إدراك قوانين هذا الواقع وسننه الحاكمة وثباتها . ولكن يبقى
--> ( 1 ) المصدر السابق ، مقدمة الباب الأول ، ص 11 . ( 2 ) المصدر السابق ، الفصل الرابع ، الباب الأول ، ص 27 . ( 3 ) المصدر السابق ، نفس الموضع .